fbpx
+216.70 018 100
contact@iace.org.tn

سبل الخروج من الأزمة وهامش التصرف

  • IACE
  • Pas de commentaire

سبل الخروج من الأزمة وهامش التصرف

إنّ التذبذب الكبير على مستوى المشهد السياسي، بعد سقوط حكومة الحبيب الجملي، وعدم وضوح الرؤية بخصوص الحكومة القادمة، وخاصّة التلويح بإمكانية تنظيم انتخابات مبكّرة، بعد تباين الآراء بين الأحزاب السياسية حول حكومة إلياس الفخفاخ، يعكس صعوبة هذا الوضع الاستثنائي، ويفتح المجال لمراجعة كلّ الفرضيات تقريبا.

الإشكاليات الهيكلية للإقتصاد الوطني 

عدم استكمال مسار الحوكمة المحلية، مع عدم الحسم في إرساء المجالس الجهوية، وضبط المهام والأدوار والمسؤوليات في إطار اللامركزية، وغياب رؤية محدّدة جامعة وملزمة لكلّ الأطراف، من بين الأسباب التي أدت إلى زعزعت هيبة الدولة بضعف التواصل والشفافية، والإدراك السلبي للسلطات الثلاث.

من بين أسباب الأزمة أيضا، تشتّت الجهود، وتعدّد البرامج غير المتجانسة، وضعف عمق ومضمون الإصلاحات الكبرى، وتباطؤ نسق تنفيذها، وتراجع ثقة القطاع الخاص، وتصلّب موقف المموّلين الأجانب وارتفاع هامش المخاطرة على تونس (تراجع الترقيم السيادي).

رغم التعهدات السابقة والالتزام بتحقيق أهداف تنموية تستجيب لمرحلة الانتقال الديمقراطي، إلاّ أنّ المرحلة اتسمت بضعف الأداء، وتجسّد ذلك من خلال تراجع مستويات النمو واختلال التوازنات المالية الكبرى، وعدم تحقيق الأهداف والمضامين الاجتماعية، وهو ما يؤشّر على وجود إشكاليات حقيقية في قيادة الشأن التنموي، وبرزت اختلالات كبرى، على غرار عدم توافق الأطراف السياسية والاجتماعية على مضمون الإصلاحات الكبرى، وتعطّل المصادقة على عدد من مشاريع القوانين.

عدم تناسق بعض السياسات الاقتصادية والاجتماعية مع التوجهات الأولية وضعف التنسيق بين الهياكل العمومية، وما ترتب عنه من تذبذب في اتخاذ القرار، وصعوبة التنفيذ، وغياب أطر الحوار البنّاء بين مختلف الأطراف، أسباب أدت إلى على احترام الالتزامات والتعهدات، والتقدم في تنفيذ الإصلاحات.

لئن ترتكز التنمية عموما على توفّر موارد بشرية ومالية وتكنولوجية وطبيعية كافية، لدفع مسار النموّ، إلاّ أنّ الاقتصاد التونسي يشكو في جانب كبير، ندرة في الموارد، فعلى مستوى الموارد البشرية، يتميّز الوضع الحالي بتوفّر مخزون بشري هام كنتيجة للانتقال الديمغرافي الحالي، والذي يتّسم بوفرة السكّان النشيطين لاسيما الفئات الشابة، ذات المستوى التعليمي المعتبر، غير أن الواقع يشير إلى صعوبات كبيرة، خاصة بطالة حاملي الشهادات العليا (حوالي %30)، وتفاقم هجرة الأدمغة.

أمّا على مستوى الموارد المالية، فإنّ ضغوطات المرحلة الانتقالية وما صاحبها من تدخّلات وإجراءات ذات طابع اجتماعي وارتفاع النفقات الإلزامية، بما فيها التحويلات لفائدة المؤسسات العمومية بالتوازي مع ضعف الموارد الذاتية، أدّت إلى ارتفاع ملحوظ وغير مسبوق لحاجيات التمويل، وبالتالي ارتفاع هام للمديونية.

وفيما يتعلق بالموارد الطبيعية، فإنّ تراجع انتاج المحروقات والفسفاط وعدم التوفق في فضّ إشكاليات تعطيل الإنتاج، كان له أثر مباشر على التوازنات المالية، من حيث تراجع موارد الدولة وتدهور الميزان التجاري، وبقطع النظر عن اختلاف الأسباب، فإنّ الاستعادة الكاملة لنسق إنتاج الفسفاط والمحروقات، يفترض تهيئة بيئة ملائمة لتجاوز الضغوطات الاجتماعية، وفضّ الإشكاليات الفنية العالقة.

مظاهر ضعف الاقتصاد الوطني

ضعف النشاط الاقتصادي وتعطّل محرّكات النمو، يمكن ملاحظتها من خلال نسب النموّ الضعيفة، طيلة السنوات الماضية، نتيجة تراكمات الفترة الانتقالية، وما فرضته من تضييق على التوازنات المالية، إلى جانب تداعيات تراجع المجهود الاستثماري، سواء على مستوى طاقات الإنتاج أو على تنافسية المؤسسة.

وقد أدّت هذه التطوّرات، إلى انخفاض ملحوظ لمستوى النموّ الكامن، بسبب التأخر في اعتماد الإصلاحات والسياسات العمومية المعلنة، وتعدّد أسباب تراجع الإنتاج، وتنوّع الخصوصيات القطاعية، ممّا أدّى إلى تشتّت جهود المعالجات المعتمدة، بالإضافة إلى عدم تمكن الأعوان الاقتصاديين، من التدابير المتخذة.

وإن عرفت التوازنات المالية تحسّنا نسبيا خلال هذه السنة، تجلّى من خلال التحكّم في عجز الميزانية وتراجع التضخم، إلاّ أنّ هذه التوازنات لا تزال هشّة، لا سيما في علاقة مع هيكلة ميزانية الدولة (ارتفاع النفقات الإلزامية وارتفاع الضغط الجبائي والمديونية العمومية…)، وصعوبة التقليص بصفة جلية في نسب التضخّم، على اعتبار أن مقوّمات ارتفاع التضخّم لا تزال نشيطة، إلى جانب دقّة الوضعية الخارجية، بسبب المخاطر الضمنية المرتبطة أساسا بالمستوى المرتفع للعجز التجاري، وصعوبة التقليص من الواردات، وأهمية حاجيات التمويل الخارجي، مقابل اشتداد شروط التداين، وأخيرا تذبذب مستوى الاحتياطي من العملة، وارتفاع سعر الصرف.

ضعف الإدماج وتراجع فاعلية المصعد الاجتماعي وارتفاع معدل الفقر 

التربية والتعليم العالي والتكوين المهني 

تراجع أداء الهياكل والمؤسسات التربوية (تفاقم ظاهرة الانقطاع المبكّر وتراجع مؤشرات التربية…) وتقهقر جودة التعليم (نسبة الأمية…)، وضعف تكافؤ الفرص على مستوى البنية الأساسية وطاقة الاستيعاب وتناظر المربين، وعدم التوازن بين المناطق والجهات.

من أسباب الأزمة أيضا، عدم استكمال مسار الإصلاح المعمّق لمنظومة التربية والتعليم العالي، وعدم التأكّد من نجاعة الخيارات المعتمدة (نظام أمد والتوجيه في مرحلة البكالوريا…)، ومدى استجابتها للمتغيرات والتطورات المتجدّدة (التكنولوجيات الجديدة للاتصال والمهن الجديدة…).

بالإضافة إلى ضعف الموارد المخصصة، وغياب النجاعة على مستوى التصرّف، وتواتر الضغوطات والخسائر (مالية وأيام دراسة)، بسبب سوء العلاقة بين الإدارة والنقابات، وعدم مواكبة منظومة التكوين المهني لتطوّرات سوق الشغل، ومتطلبات المهن الجديدة.

الصّحة 

تفاوت جهوي ملحوظ في عرض الخدمات الصحية، وضعف الخارطة الصحية والتأخر الهام في إنجاز الوحدات الصحية، خاصة في إطار التمويل الخارجي (قروض وهبات).

النهوض الاجتماعي 

محدودية نجاعة التدخلات الاجتماعية، بسبب تأخر تنفيذ مكوّنات الإصلاح، لا سيما تصويب التحويلات لمستحقيها، إلى جانب عدم وضوح مضمون وعمق إصلاح المنظومة الاجتماعية، وتشتت الجهود للإحاطة بالفئات الضعيفة، رغم أهمية الجهود في مجال التحويلات الاجتماعية.

من بين مظاهر الأزمة الاجتماعية أيضا، التأخر في الإصلاح الجذري لمنظومة التقاعد، وتواصل الإشكاليات المتعلقة بالتفاوت الجهوي وضعف حركية التنمية بالجهات، وهيمنة الطابع القطاعي في السياسات والبرامج العمومية، رغم إقرار مبدأ التمييز الإيجابي، بالإضافة إلى نقص الموارد المخصصة للتنمية الجهوية، وضعف النجاعة في توظيف الموارد المتاحة.

تراجع الاستثمار العمومي والخاص

أسباب تراجع الاستثمار العمومي 

رغم اعتماد عديد القوانين والإجراءات الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال وتطوير منظومة حوكمة الاستثمار، إلاّ أنّ المجهود الاستثماري بقي دون الإمكانيات المتوفرة، فتمويل منوال الاستثمار في عدد من المؤسسات العمومية الكبرى يتطلّب توفير موارد مالية هامة، يصعب تعبئتها، نظرا للخسائر المتراكمة واختلال الهيكلة المالية لهذه المؤسسات العمومية.

أسباب تراجع الاستثمار الخاص 

أمّا بالنسبة للاستثمار الخاص فإنّ تآكل رصيد الثقة، وعدم وضوح الآفاق التنموية والاقتصادية، إضافة إلى تعقّد الإجراءات الإدارية المتوارثة، شكّلت إكراهات يصعب معالجتها وتداركها على المدى القصير.  

شروط النجاح خلال الفترة القادمة

إنّ التشخيص الموضوعي للوضع العام، وما أفرزه من إكراهات على أهميته، يجب ألاّ يحجب الصعوبات الفعلية المرتبطة بتنفيذ السياسات العمومية، والبرامج والتسيير عموما، والتي تفرض جملة من الشروط المسبقة لضمان أوفر الحظوظ في قيادة الشأن الاقتصادي، واسترجاع الثقة لدى المتعاملين الاقتصاديين، من أهمّها:

تكريس مناخ ديمقراطي سليم، من خلال استكمال إرساء الهيئات الدستورية المستقلة (المحكمة الدستورية وهيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة…) وبقية الهيئات المستقلة الأخرى.

ضمان إجماع عام، على أوسع نطاق حول المحاور الأساسية لبرنامج العمل المستقبلي

اعتماد حلول جديدة تقطع مع المنظومات السابقة، وترتكز أساسا على إعادة توظيف الإمكانيات، ومراجعة مضمون السياسات، وفق رؤى تكرّس جودة الأداء.

ضرورة إيجاد صيغة توافقية لتحمّل تبعات وضغوطات المرحلة القادمة، في انتظار تحسّن الأوضاع.

إرادة قوية لاتخاذ القرارات ذات الأثر الاجتماعي الواضح والملموس.

الأولويات.. وضرورة اختيار الإجراءات الناجعة 

تستوجب المرحلة القادمة بلورة رؤية اقتصادية على المدى المتوسط والبعيد، تحظى بإجماع القوى والفاعلين النافذين، على أن يتم ترجمتها من خلال برامج عمل على مدى سنة، وأمام دقة وهشاشة الوضع العام في البلاد، خاصة صعوبة الظرف الاقتصادي، وجب إحكام تبويب الأولويات، واعتماد سياسات اقتصادية ومالية متناسقة، تستجيب لمقتضيات دفع النموّ، دون المساس بالتوازنات المالية، مع الالتزام بالنجاعة في التنفيذ.

تتمثل أولويات المرحلة القادمة في:

تكريس هيبة الدولة من خلال توفير مقوّمات مجتمع القانون، وتحديد ضوابط تكريس الالتزام الآلي بالقانون وتحسين درجة الوعي مع تحديد الأدوار – 

تدعيم الإطار التنظيمي للعمل الحكومي، لضمان النجاعة وتكريس مقوّمات الحوكمة والمسؤولية، وتسريع رقمنة الإدارة، والتقليص من التراخيص –

اعتماد سياسات اقتصادية تقوم على تدعيم العرض –

بلورة برامج تنموية بديلة، تعتمد على خلق مواطن الشغل وموارد الرزق، بما يسهم في التخفيف من الضغوط الاجتماعية بالجهات الداخلية – 

الحسم في تنفيذ مشاريع بعنوان الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والمشاريع المهيكلة الكبرى، والانطلاق في التنفيذ الفعلي – 

إطلاق استراتيجية وطنية لإصلاح المؤسسات العمومية الكبرى – 

اعتماد استراتيجية متكاملة ومتناسقة للحدّ من مستويات الفقر وفق خطّة مرحلية وأهداف كمّية –

مراجعة مضمون البرامج الجهوية، وصيغ التنفيذ، مع تحديد أدوار الهياكل المعنية –

توضيح الموقف بخصوص برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي، باعتبار ترابط كلّ برامج تمويل الميزانية خلال الفترة القادمة، بإبرام اتفاق ثالث مع الصندو ق –

Aller à la barre d’outils